تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إحاطة السيدة كارلا كينتانا أمام الجمعية العامة

Press Release Date

 

سيدتي الرئيسة،                                    

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،

قبل تسعة عشر شهرًا، دخلت سوريا فصلًا جديدًا في تاريخها.

في صباح الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 التاريخي، انفتحت آفاق جديدة نحو الأمل، بعد أكثر من خمسة عقود من الخوف، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري.

إلا أن هذا الأمل كان مصحوبًا بواقع مرير لبلد مدنه مدمرة، وعائلاته ممزقة، ومؤسساته منهكة. كانت سوريا، من نواحٍ عديدة، أمة توقف عندها الزمن.

من بين التحديات العديدة التي تواجه سوريا اليوم، قليل منها يضاهي في عمقه - أو خطورته - مصير المفقودين.

فعندما يفقد فرد واحد عن عائلة، يتغلغل الألم في كل فرد من أفرادها. وعندما يفقد مئات الآلاف عن مجتمع، يغمره الألم والقلق الجماعي. من المستحيل تصور الاستقرار والمصالحة والسلام الدائم في سوريا دون معرفة مصير المفقودين.

تُدرك العديد من الدول الأعضاء الممثلة هنا جيدًا حجم هذا التحدي والوقت اللازم لمواجهته.

بفضل مثابرة عائلات الأشخاص المفقودين، والجهود الدؤوبة للمجتمع المدني السوري، وقرار هذه الجمعية العامة بإنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، لا يواجه السوريون هذا التحدي بمفردهم.

 

 

السيدة الرئيسة،

تتسم ولاية المؤسسة بالطموح.

وهي تتمثل في توضيح مصير جميع المفقودين في سوريا وأماكن وجودهم، وتقديم الدعم لعائلاتهم.

لا يمكن تحقيق ذلك من خلال تحقيقات منعزلة، بل يتطلب بناء نظام شامل يسمح بجمع المعلومات وتحليلها ومشاركتها وتحويلها إلى إجابات.

خلال العام الماضي، بدأنا بتزويد العائلات بمعلومات عن ذويهم، بالتزامن مع بناء الأنظمة التي ستمكننا من تقديم المزيد من الإجابات في المستقبل. 

لقد قمنا بمعالجة أكثر من 75,000 وثيقة، أي ما يزيد عن تسعة أضعاف ما عالجناه خلال الفترة المشمولة بالتقرير السابق، مع دمج مجموعات بيانات ضخمة وتعزيز أدوات التحليل التي تربط المعلومات عبر آلاف الحالات، وترسيخ نهجنا القائم على الأنماط.

كما وسّعنا نطاق عملنا ليشمل الأشخاص المختفين قسرًا في ظل النظام السابق، والأطفال المفقودين، وحالات الاختفاء المرتبطة بتنظيم داعش والجماعات المسلحة الأخرى، والأشخاص الذين فُقدوا أثناء رحلات الهجرة وطلب اللجوء، وحالات الاختفاء المُبلّغ عنها منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. كما بدأنا تدريجيًا بتسجيل المفقودين خارج سوريا.

وإيمانًا منا بأن مشاركة المعلومات ضرورية للبحث، وفي الوقت نفسه إحدى أكبر تحدياته، فقد أتحنا الوصول إلى أنظمتنا ومعلوماتنا للجهات الدولية الفاعلة والسلطات السورية.

كما أوضحنا لشركائنا السوريين التزامنا بالعمل المشترك على بناء أسس نظام شامل لتبادل المعلومات حول الأشخاص المفقودين في سوريا، وفقًا للمعايير الدولية.

إذا تكللت جهودنا بالنجاح معًا، فلن نزيد من إمكانية توضيح مصير وأماكن وجود المفقودين في سوريا فحسب، بل سنكون أيضًا مثالًا يُحتذى به على مستوى العالم.

 

السيدة الرئيسة،

إن المؤسسة المستقلة فريدة من نوعها.

فهي موجودة بفضل الأسر، وتعمل من أجلها، وتنفذ ولايتها بالتعاون معها. ويُعدّ دعم العائلات الركيزة الثانية من ولايتنا.

إن التحدي المتمثل في الوصول إلى مئات الآلاف من الأسر داخل سوريا وخارجها، وإدارة توقعاتهم، هائل.

هذا العام، وسّعنا نطاق تواصلنا المباشر مع الأسر على أرض الواقع، بما في ذلك العديد ممن لم يسبق لنا التواصل معهم. وقد عملنا مع الجالية السورية في تركيا، ولبنان، والأردن، وألمانيا، ونُعرب لحكومات هذه الدول ولمنظمات المجتمع المدني العاملة فيها عن خالص شكرنا وتقديرنا لدعمهم.

في سوريا، ورغم أننا عقدنا بعض الاجتماعات مع الأسر، وتواصلت معنا أسر أخرى، إلا أننا لم نتمكن بعد من التواصل معهم خارج دمشق.

لقد عززنا قنوات الإحالة للدعم القانوني، والنفسي-الاجتماعي، وغيره من أشكال الدعم، وعمّقنا مشاركة الأسر والمجتمع المدني السوري من خلال مجلسنا الاستشاري وآليات المشاركة الأخرى.

 

السيدة الرئيسة،

إن وجود آلية بحث وطنية أمرٌ ضروري في بلد يواجه حالات اختفاء على نطاق سوريا بأكملها.

منذ البداية، اقترحنا وحددنا أولويات لخطوات عملية واستراتيجية بهدف توفير دعم مستدام ومنهجي للهيئة الوطنية للمفقودين منذ إنشائها العام الماضي. فعلى صعيد الخطوات العملية، اتفقنا على عدة مشاريع مشتركة، قدمنا ​​خلالها، على سبيل المثال، أدوات لرسم خرائط وتحديد مئات المقابر الجماعية، ومعلومات عن حالات تتعلق بالمفقودين على طرق الهجرة، ومساهمات في وضع الإطار القانوني اللازم للمفقودين، وإنشاء أساس لنظام تبادل المعلومات. أما فيما يتعلق بالدعم المنهجي، فقد قدمنا ​​خبرتنا في بناء سياسات عامة تتعلق بالمفقودين، وتعزيز قدرات الموظفين وتدريبهم، وتطوير البنية التحتية.

وتُظهر التجارب المقارنة أن بناء استجابة متكاملة لأزمة مفقودين بهذا الحجم يستغرق سنوات. فهو يتطلب قدرات مؤسسية، ومنهجيات ملائمة، وثقة، وتمويلًا مستدامًا، وأنظمة معلومات قوية. كما يتطلب دعم جميع المؤسسات الوطنية المعنية لعمليات البحث.

وقد لمست عدة دول أعضاء ممثلة في هذه الجمعية هذا الأمر بشكل مباشر. لذا، يقع على عاتقنا واجب أخلاقي يتمثل في تسخير خبرة المؤسسة المستقلة ومعرفتها لخدمة سوريا.

هذا ما تطالب به عائلات الأشخاص المفقودين. وهذا ما تستحقه.

وكما أشار الأمين العام في تقريره، فإن إنشاء وجود دائم للمؤسسة المستقلة في سوريا من شأنه أن يعزز بشكل كبير قدرتنا على دعم نظرائنا السوريين وتنفيذ ولايتنا بفعالية للبحث عن جميع المفقودين. ولذلك، أكرر طلبنا، الذي قدمناه لأول مرة في مايو/أيار 2025، للسماح لنا بإنشاء مكتب في سوريا، بما يخدم مصالح المفقودين وعائلاتهم على أفضل وجه.

 

السيدة الرئيسة،

المندوبون الموقرون،

تُعدّ سوريا من بين الدول التي تضمّ أعلى نسبة من المفقودين في العالم، سواءً من حيث العدد المطلق أو نسبةً إلى عدد سكانها. فكل سوري لديه مفقود أو يعرف شخصًا لديه مفقود. تمثل قضية المفقودين جرحًا غائرًا للجميع.

يجب أن تبقى عملية البحث عن المفقودين أولويةً قصوى في سوريا. فهي أساسية لإعادة بناء الثقة، وتعزيز المؤسسات، وإرساء دعائم السلام الدائم.

تنتظر مئات الآلاف من العائلات إجابات ملموسة. ولا يمكن التوصل إلى هذه الإجابات إلا من خلال تدفق المعلومات، ومنهجية علمية موجهة نحو العثور على المفقودين، وإرادة سياسية على جميع المستويات، والثقة.

إن البحث عن المفقودين جهدٌ جماعي. لا يمكن لأي مؤسسة أن تنجح بمفردها. ويعتمد التقدم على استعداد جميع المعنيين للعمل بطريقة منسقة ومتكاملة، وتقاسم المسؤولية في خدمة المفقودين وعائلاتهم.

ستبقى المؤسسة المستقلة ثابتةً على هذا الدرب، تعمل جنبًا إلى جنب مع العائلات السورية والمجتمع المدني، والهيئة الوطنية للمفقودين وغيرها من المؤسسات السورية، والشركاء الدوليين المعنيين، والدول الأعضاء.

أودّ أن أعرب عن خالص امتناني لكل من ائتمننا على المعلومات - أفرادًا وعائلات ومنظمات مجتمع مدني - التي تُشكّل جوهر عملية البحث. أتوجه بالشكر أيضاً إلى الدول الأعضاء العديدة التي فُقد فيها سوريون أثناء فرارهم، والتي تدعمنا اليوم في كشف مصيرهم ومعرفة أماكن وجودهم. كما أودّ أن أعرب عن تقديري للدول الأعضاء التي دعمت عملنا من خلال التبرعات الطوعية، ولا سيما ألمانيا، وكندا، والسويد، ولوكسمبورغ، وهولندا، ومالطا.

وأخيراً، اسمحوا لي أن أخصّ بالذكر نساء سوريا. فكما هو الحال في العديد من البلدان المتضررة من حالات الاختفاء، غالباً ما تتحمل النساء عبء البحث عن أحبائهن المفقودين، إلى جانب إعالة أسرهن والتمسك بالأمل. إليهنّ - اللواتي يحوّلن المستحيل إلى ممكن - أقدّم أعمق تقديري واحترامي وإعجابي.

بعد مرور تسعة عشر شهراً على الواقع الجديد في سوريا، خطونا خطوات أولى مهمة. ولا يزال أمامنا الكثير لنفعله.

ينبغي أن يتوازن الأمل مع الحقائق، والمقاصد مع النتائج.

 

شكراً لكم.

 

****  

لمشاهدة الإحاطة، إضغط هنا

لمزيد من المعلومات ولطلبات وسائل الإعلام:  

يرجى التواصل من خلال: iimp-syria@un.org   

يرجى زيارة ومتابعة: موقع المؤسسةفيسبوك - X - لينكد إن - قناة الواتساب